السيد حيدر الآملي

45

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

ثمّ استمرّت ( حركات ) هذا الفلك . فخلق اللَّه ملائكة خمسة وثلاثين ملكا ، من جملة هؤلاء الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، ثمّ خلق تسع مائة ملك وأربعا وسبعين ، وأضافهم إلى ما ذكرناه من الأملاك ، وأوحى إليهم وأمرهم بما يجري على أيديهم في خلقه فقالوا : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَه ُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ سورة مريم : 64 ] . وقال فيهم : لا يَعْصُونَ اللَّه َ ما أَمَرَهُمْ [ سورة التحريم : 6 ] . فهؤلاء من الملائكة هم الولاة خاصّة ، وخلق ملائكة هم عمّار السّموات والأرض لعبادته ، فما في السّماء والأرض موضع إلَّا وفيه ملك ولا يزال الحقّ يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا متنفّسين . ( خلق الدار الدنيا ) ولمّا انتهى من حركات هذا الفلك الأوّل ، ومدّته أربع وخمسون ألف سنة « ممّا تعدّون » ، خلق الدّار والدّنيا ، وجعل لها أمدا معلوما تنتهي إليه وتنقضي صورتها ، وتستحيل من كونها دارا لنا وقبولها صورة مخصوصة ، وهي الَّتي نشاهد اليوم ، إلى أن : تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ سورة إبراهيم : 48 ] . ولمّا انقضى من مدّة ( حركات ) حركة هذا الفلك ثلاث وستّون ألف سنة ممّا تعدّون خلق اللَّه الدّار الآخرة والجنّة والنّار اللَّتين أعدّهما اللَّه لعباده السّعداء والأشقياء ، فكان بين خلق الدّنيا وخلق الأرض تسع آلاف سنة ممّا تعدّون ، ولهذا سمّيت آخرة لتأخّر خلقها عن خلق الدّنيا ، وسمّيت الدّنيا : الأولى لأنّها خلقت قبلها ، قال تعالى : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى [ سورة الضحى : 4 ] .